شكيب أرسلان
139
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
فتأويل الشرع - بعيدا ما بعد عن المفهوم الحالي - لا بدّ أن يبقى مربوطا بالعقل البشري ، وآيلا إليه ، وذلك لسبب بسيط ، هو أنّ الشرع والعقل متحدان ، وأنّ حدّهما يصحّ أن يكون مرادفا للآخر ، وأنّه لا يمكن للشرائع أن تأتي بما يستحيل في العقول ، إذ لو كان ذلك لهدمت نفسها بنفسها ، ولعطّلت الأداة الوحيدة التي يمكن فهمها بها . وقد روي عن سيدنا علي رضي اللّه عنه - وسمعت روايته من أستاذنا الشيخ محمد عبده رحمه اللّه - ما معناه : أنّ الشرائع السماوية لم تأت بشيء جديد ، وإنما جاءت إثارة لدفائن القلوب ، فالعقل مضمون في صلب الشرع ، كما أنّ الشرع مضمون في صلب العقل ، وبناء على هذا المبدأ ، قرّر الإسلام أنّه خاتمة الشرائع ، وأنّه لا بدّ من أن يظهر على الدين كلّه ، كأنّه يقول : إنّ آخر ما يصل إليه الإنسان من الهدى هو دليل العقل ، وهذا الدليل هو الشرع بعينه ، لأنّ كلّ ما ناقض العقل هو مردود ، فلا عجب أن يكون الشرع المعقول هو الشرع الأخير « 1 » . فما دام العقل الإنساني هو هذا الذي نعرفه ، فالشرع قائم مؤيد ثابت في العقول ، سائغ في الأذهان ، لا يتجافى عنه إلا من حرم سلامة الحس الباطني ، وسلب أداة الإدراك . وما دام الشرع قائما مؤيدا ، لا تزعزعه عواصف الأهواء ، ولا تميد به زعازع الشبهات ، حتى يعود أمتن مما كان ، ويعتصم به الجمهور ، فمناسك الدين وشعائره لا تبرح قائمة ، وأحكام الشرع لا تبرح جارية ، ومكة تبقى مكة ، وطيبة تبقى طيبة ، والمسجد الأقصى يبقى المسجد الأقصى . * * *
--> ( 1 ) هذه العبارة فيها إجمال وغموض ، وهي مروية بالمعنى ، وموضوعها أنّ الإسلام دين الفطرة ، المبني على دلائل العقل ، والمسألة مفصّلة مبيّنة في « رسالة التوحيد » ص ( 7 ) للأستاذ الإمام ، بما لا غموض فيه ولا إبهام . مصححه